ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري
307
تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )
تستعد للنجاة وتأمل في حال الخلائق وقد قاسوا من دواهي يوم القيامة ما قاسوا فبينما هم في كربها وأهوالها واقفين ينتظرون حقيقة إثباتها إذ أحاطت بالمجرمين ظلمات وأظلت عليهم بادرات وسمعوا لها زفيرا وجرجرة تفصح عن شدة الغيظ فعند ذلك أيقن المجرمون بالعطب وجثت الأمم على الركب حتى أشفق البراء من سوء المنقلب وخرج المنادي من الزبانية يا فلان المسوف نفسه بطول الأمل في الدنيا المضيع عمره في سوء العمل فيبادرونه بمقامع من حديد ويستقبلونه بعظائم التهديد وينكسونه في دار ضيقة الأرجاء مظلمة المسالك مبهمة المهالك ( 1 ) فعند ذلك يندمون على ما فرطوا في جنب الله يتأسفون فلا ينجيهم الندم ولا يغنيهم الأسف بل يكبون على وجوههم من فوقهم النار ومن تحتهم النار فهم بين مقطعات النار وسرابيل القطران ويتحطمون في دركاتها ويضربون بين غواشيها تغلي بهم النار كغلي القدور ينادون بالويل والعويل ومهما دعوا بالثبور صب فوق رؤسهم الحميم يصهر به ما في بطونهم والجلود فمن كان من أهل الشفاعة أدركته لقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي وقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم يخرجون من النار بعد ما يصيرون حمما ( 2 ) وفحما . ومن كان من أهل الخلود فالويل له بالعذاب الدائم المقيم نعوذ بالله من ذلك . واعلم أن تلك الدار التي عرفت غمومها وهمومها تقابلها دار أخرى وهي الجنة فإن من بعد منها استقر لا محالة في الأخرى فاستثر ( 3 ) الخوف في قلبك بطول الفكر في أحوال الجحيم واستثر الرجاء بطول الفكر في النعيم المقيم الموعود لأهل الإحسان وسق نفسك بسوط الخوف وقدمها بزمام الرجاء إلى الصراط المستقيم فبذلك تنال الملك العظيم وتسلم من العذاب الأليم فتفكر في أهل الجنة وفي وجوههم نضرة النعيم يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك جالسين على منابر من الياقوت الأحمر في خيام من اللؤلؤ الرطب الأبيض فيها بسط من العبقري الأخضر متكئين على الأرائك منصوبة على أطراف أنهار مطردة بالخمر والعسل محفوفة بالغلمان والولدان مزينة بالحور العين من الخيرات الحسان كأنهن
--> ( 1 ) في بعض النسخ [ متهمة المهالك ] بالتاء وعن بعض متهمة المهالك ] بالنون . ( 2 ) الحمم بضم الحاء وفتح الميم : جمع الحمة بضم الحاء وتشديد الميم وهي كل ما احترق بالنار وبمعنى الرماد . ( 3 ) أمر من استثاره أي طلب منه أن يثور ثورانا أي يهيج هيجانا .